عماد الدين خليل
29
المستشرقون والسيرة النبوية
كانت ، وكيف يتمكن من إثباتها وإظهارها وتدوينها إذا ترك تلك الروايات وعالجها معالجة نقد وجرح وتعديل على أساليب البحث الحديث » ؟ « 1 » . وترد في ختام كتاب آتيين دينييه ( الشرق كما يراه الغرب ) بعض الآراء حول هذا المنهج حيث يقول : « لقد أصاب الدكتور سنوك هيرغرنجه بقوله : ( إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضيّ عليها بالعقم إذا سخّرت لآية نظرية أو رأي سابق ) . هذه حقيقة يجمل بمستشرقي العصر جميعا أن يضعوها نصب أعينهم ؛ فإنها تشفيهم من داء الأحكام السابقة التي تكلّفهم من الجهود ما يجاوز حد الطاقة فيصلون إلى نتائج لا شكّ خاطئة . فقد يحتاجون في تأييد رأي من الآراء إلى هدم بعض الأخبار وليس هذا بالأمر الهيّن ، ثم إلى بناء أخبار تقوم مقام ما هدموا وهذا أمر لا ريب مستحيل . إن العالم في القرن العشرين يحتاج إلى معرفة كثير من العوامل الجوهرية كالزمن والبيئة والإقليم والعادات والحاجات والمطامح والميول . . إلى آخره ، ولا سيّما إدراك تلك القوى الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس المعقول والتي يعمل بتأثيرها الأفراد والجماعات » « 2 » . وفضلا عن هذا نجد أن الطابع العلمانيّ الوضعيّ ، والرؤية المحدودة للمناهج الغربيّة في تعاملها مع تأريخنا ، أوقع عددا من المستشرقين في خطأ آخر ؛ مفاده : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يخطو خطوة واحدة وهو يعلم مسبقا ما الذي يليها ، أي أن نشاطه كانت توحي به الظروف الراهنة ومتطلباتها ولوازمها ، وأبرز مثل في هذا المجال ما ذكره فلهاوزن وعدد من رفاقه حول إقليميّة الحركة الإسلامية في عصرها المكّيّ ، وأنها لم تنتقل إلى المرحلة العالمية - في العصر المدني - إلّا بعد أن أتاحت لها الظروف ذلك ، ولم يكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليفكر بذلك من قبل .
--> ( 1 ) تاريخ العرب في الإسلام : 1 / 95 . ( 2 ) محمد رسول اللّه ، المقدمة ، ص 43 - 44 .